الرد على من يحتج بالقدر على ترك الدعاء
هنا سؤال مشهور وهو ان المدعو به إن كان قد قدر ,لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدع , وان لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله , فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء , وقالت لا فائدة فيه وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون فإن اطرد مذهبهم لوجب تعطيل جميع الأسباب فيقال لأحدهم :
ان كان الشبع والري قد قدرا لك فلا لا بد من وقوعها أكلت أو لم تأكل , وإن لم يقدرا لم يقعا أكلت أو لم تأكل , وإن كان الولد قدر لك فلابد منه وطأت الزوجة والامة أو لم تطأها , وإن لم يقدر لم يكن فلا حاجة الى التزويج والتسري وهلم جرا .
والصواب أن هذا المقدور قدر بأسباب , ومن أسبابه الدعاء , فلم يقدر مجردا عن سببه ولكن قدر بسببه فمتى أتي العبد بالسبب وقع المقدور ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور , وهذا كما قدر الشبع والري بالاكل والشرب , وقدر الولد بالوطيء , وقدر حصول الزرع بالبذر , وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه , وكذلك قدر دخول الجنة بالاعمال , ودخول النار بالاعمال .
حينئذ فالدعاء من أقوى الاسباب , فاذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال : لا فائدة في الدعاء ,كما لا يقال لا فائدة في الاكل والشرب, وجميع الحركات والاعمال وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب , ولما كان الصحابة رضى الله عنهم أعلم الامة بالله ورسوله وأفقههم في دينه كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم وكان عمر رضى الله عنه يستنصر به على عدوه , وكان أعظم جنده وكان يقول للصحابه لستم تنصرون بكثرة وانما تنصرون من السماء , وكان يقول اني لا أحمل هم الاجابة ولكن هم الدعاء , فاذا ألهمت الدعاء فان الاجابة معه , وأخذ هذا الشاعر فنظمه فقال :
لو لم ترد نيل ما أرجوه وأطلبه من جود كفيك ما علمتنى الطلبا
فمن ألهم الدعاء فقد أريد به الاجابة فان الله سبحانه يقول : }إدعوني أستجب لكم { وقال : }وإذا سألك عبادي عنى فأني قريب أجيب دعوة الداع أذا دعان { وفى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله "من لم يسأل الله يغضب عليه " وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته , وإذا رضى الرب تبارك وتعالى فكل خير فى رضاه كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه .
المصدر :كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي
مــوقــع الــــنــبــلاء
www.alnobala.net